نتحوّل من فقراء فوق منجم إلى دولة منتجة؟
مهدي قانصو مهندس مالي
Tuesday, 17-Feb-2026 07:07

لا يختلف اثنان على أنّ الأزمة اللبنانية، على رغم من كل تشعُّباتها السياسية والدستورية والقضائية، باتت اليوم رهينة «العجز المالي» بمفهومه الواسع. فالمعضلة التي تعجز القوى السياسية عن فك شفرتها، لا تكمن في غياب التشريعات أو التلكّؤ في وضع هيكلية تقنية للحل، بل في الافتقار التام للموارد المالية القادرة على ردم الفجوة المالية المتسعة، إعادة الروح إلى الودائع المصادرة، وترميم رواتب القطاع العام التي تآكلت حتى باتت عاجزة عن صَون ما تبقّى من هيكلية الدولة ومؤسساتها.

في الوقت الذي تصارع فيه السلطة لتأمين «فلس الأرملة» لتسيير مرافقها الأساسية، يقبع لبنان فوق «جبل» من الذهب لا تستفيد منه الدورة الاقتصادية بشيء. إنّها «الخطيئة الكبرى» في إدارة الأصول الوطنية؛ أن نكون الدولة الثانية عربياً والعشرين عالمياً في احتياطيات المعدن الأصفر، بينما يرزح أكثر من 80% من اللبنانيِّين تحت خط الفقر متعدِّد الأبعاد، الذي يطال أبسط حقوقهم في الصحة والتعليم والسكن. فهل يُعقل أن نبقى «فقراء فوق منجم»، أم أنّ الوقت قد حان لتحويل هذه الكتلة الجامدة إلى محرِّك مالي يضخ 5 مليارات دولار سنوياً في عروق الاقتصاد المنهك؟

 

عقيدة الذهب والجمود الاستثماري

يُعدّ الذهب بالنسبة إلى اللبنانيِّين «الملاذ الأخير» وأداة التحوُّط التاريخية التي لا تُمَسّ. لكن في علم الاقتصاد الحديث، تُصنَّف الأصول التي لا تُدِرّ عائداً بأنّها «أصول ميّتة» استثمارياً، خصوصاً عندما تمرّ البلاد بنكبة وجودية. المشكلة اليوم ليست في الذهب كقيمة، بل في «فلسفة» التعامل معه؛ فالمواطن اللبناني، الذي فَقَد ثقته المطلقة بصنّاع القرار، يرفض بالفطرة أي حديث عن «بيع» الذهب، خوفاً من أن تتبخّر أثمانه في الثقب الأسود الذي ابتلع مدّخرات العمر في المصارف.

 

هنا نصل إلى المعادلة الصعبة: حاجة ماسّة لتدفّقات مالية ضخمة لإعادة الحيَوية إلى الدورة الاقتصادية وتحفيز النمو، مقابل انعدام ثقة في إدارة السلطة لأي سيولة ناتجة من هذه الأصول. لذا، فإنّ المخرج العلمي يكمن في كسر «تابو» الذهب من دون التفريط بملكيّته، عبر تشريع نيابي يُجيز تسييله واستثمار قيمته السوقية بشكل مباشر عبر شركات عالمية كبرى لإدارة الأصول (Asset Management Firms) مثل «بلاك روك»، «فانغارد»، «بيمكو»، وغيرها الكثير من الشركات العالمية التي تدير أصول دول بآلاف المليارات من الدولارات والعملات الأخرى.

 

الإدارة العالمية: دروس من النروج وكوريا

إنّ الحل المقترح يقوم على تسييل وإيداع هذه الأصول لدى مؤسسات متعدِّدة الأطراف ومديري أصول عالميّين، بعيداً من أيدي البيروقراطية المحلية. هذا النهج ليس ابتكاراً، بل هو المسار الذي سلكته دول كالنروج وكوريا الجنوبية، اللتَين تستعينان بخبرات دولية لضمان الحوكمة والشفافية وتحقيق أقصى العوائد، وتجنُّب القرارات الاستثمارية ذات الطابع السياسي والمحاصصاتي. في الحالة اللبنانية، يبدو هذا الخيار هو الوحيد القادر على طمأنة الرأي العام بأنّ ثروته لن تذهب هباءً.

 

لغة الأرقام: 5 مليارات دولار ضائعة

بالنسبة إلى الأرقام العلمية، يمتلك لبنان احتياطياً يبلغ 286,8 طناً مترياً وفقاً لتقارير مصرف لبنان وقواعد البيانات الدولية. بقيمته السوقية الحالية، يتجاوز هذا الاحتياطي الـ46 مليار دولار. وبمراجعة أداء الأسواق العالمية ومؤشر (MSCI) العالمي، نجد أنّ متوسط عوائد الصناديق المتوازنة يتراوح ما بين 7% و11% سنوياً.

 

بتطبيق هذه النسب، نكتشف أنّ لبنان يفوّت على نفسه عائداً سنوياً يتراوح بين 3,22 مليارات و5,06 مليارات دولار. هذا المبلغ الضخم يتجاوز إجمالي إيرادات الدولة اللبنانية الحالية مجتمعة، وهو كفيل وحده بتغيير قواعد اللعبة؛ إذ يمكنه المساهمة في تضييق الفجوة المالية الحالية، وتمويل زيادة الرواتب، وإعادة إطلاق المشاريع الإنشائية والإنمائية (كتدعيم الأبنية المتهالكة، إعادة الإعمار، مشاريع محطات الكهرباء، إلخ)، ودعم الطبقات الأكثر هشاشة، من دون الحاجة لاستجداء قروض دولية مشروطة بتنازلات سياسية أو اقتصادية مؤلمة.

 

الحماية من التضخّم وسنوات «العجاف»

لحماية قيمة هذا الاستثمار من التضخم العالمي، يجب ألّا يُصرَف كامل العائد السنوي، بل يُخصَّص جزء منه لإعادة استثماره لزيادة قيمة الأصول الأساسية بشكل متوازٍ مع نسب التضخُّم العالمية أو أكثر. كما يجب إدراك أنّ الأسواق المالية قد تشهد «سنيناً عجافاً»، لذا فإنّ القاعدة الذهبية في عالم الاستثمار هي «عدم وضع البيض في سلة واحدة». تنويع الاستثمار من حيث العملات، ونوع الأصول المالية، والتنوُّع الجغرافي للاستثمار، هو الضمانة الوحيدة لتفادي الوقوع في خسائر فادحة، كما حصل مع ودائع اللبنانيِّين التي حُصرت في قناة واحدة حتى تلاشت.

 

الممر الإلزامي للإنقاذ

إنّ الإنتقال من عقلية «الخزينة» الساكنة إلى عقلية «الاستثمار» المنتجة هو الممر الإلزامي الوحيد لاستعادة السيادة المالية. إنّ تسييل الذهب واستثماره عبر قنوات مُحَوكمة عالمياً ليس مجرّد رفاهية تقنية، بل هو ضرورة قصوى لنمو الاقتصاد ولانتشال 80% من اللبنانيِّين من قاع الفقر. 5 مليارات دولار من العائدات سنوياً كفيلة بإعادة الروح لمؤسسات الدولة وبدء معالجة حقيقية للفجوة المالية. فهل يجرؤ أصحاب القرار على كسر قيود «الذهب المُعطَّل» قبل أن ينهار الهيكل بالكامل؟

الأكثر قراءة